محمد جواد مغنية
387
في ظلال نهج البلاغة
أشارت إليها الآية 8 من سورة الحج : « ومن الناس من يجادل في اللَّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير » . فالعلم إشارة إلى التجربة والحس ، والهدى إلى العقل والاستدلال بالفكر والتأمل ، والكتاب المنير هو الوحي من السماء . وليست الحواس أقوى هذه المصادر كما يظن ، لأن الإنسان لا يدرك بالبصر بلا بصيرة ، وأيضا لا يدرك الوحي بلا عقل ، لأن الوحي رسالة السماء ، وهي لا تدرك ولا تثبت إلا بالفكر والتأمل والتدبر ، أما العقل فيدرك أشياء كثيرة تخرج عن نطاق الوحي والحس ، ففصل العقل عنهما واضح وبلا نزاع ، ولا يمكن فصلهما عنه بحال ، ولو افتقر اليهما في إدراكه ، كما افتقرا اليه - لبقيت المعرفة وأسبابها طي الكتمان وفي عالم العدم ، ومن هنا أناط الاسلام رسالته وصدقها وقوتها وتعميمها وانتشارها ودوامها ، أناط ذلك كله وربطه بالعقل : * ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) * - 24 محمد . * ( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * - 28 الروم . . إلى كثير من آيات هذا الباب . وفي الحديث : أصل ديني العقل . . لكل شيء دعامة ، ودعامة المؤمن عقله . . ولكل قوم داع ، وداعي المؤمنين والعابدين العقل . . أفضل الناس أعقل الناس . . إلى كثير من أحاديث هذا الباب . وهذا يفسر لنا ظهور من ظهر واشتهر من العلماء والفلاسفة والأطباء من بين المسلمين الذين هم المصدر الأول للحركة العلمية عند الغربيين . وبعد ، فلا غنى لشيء عن العقل ماديا كان أم غير مادي ، ولولاه لانسد باب العلم إطلاقا حتى في القضايا الطبيعية . . إن التجربة في هذه هي محك الصواب والخطأ ، ما في ذلك ريب ، ولكن بمعونة العقل ، وبخاصة في معرفة الصلة والعلاقة بين الشيء الذي تجرى عليه التجربة وغيره . 282 - بينكم وبين الموعظة حجاب من الغرّة . المعنى : المراد بالغرة هنا الغفلة والنسيان . . ونحن نؤمن باللَّه واليوم الآخر بلا شك وتردد . . ومع هذا ننسى اللَّه ، ونذهل عن الآخرة وحسابها وعقابها ، وتغلبنا العاطفة على ما نظن ولا نغلبها على ما نستيقن ، كما قال الإمام في الحكمة 149 ،